والد البهائي العاملي

110

نور الحقيقة ونور الحديقة

وعن مجاهد في قوله تعالى « يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشاءُ » « 1 » قال : الخط . « وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً » يعني الخط . وقال بعض الحكماء : القلم والسيف حاكمان في جميع الأشياء ، ولولاهما ما قامت الدنيا . وكانت العرب تعظّم قدر الخط جدا ، وتعدّه من أكبر المنافع . فحينئذ ، يجب على من يتعاطى الكتابة أن يكون طويل الروح عالما ببراية القلم وقطه وغلظه وطول جلفته . وأن يعرف أي حرف يمد ، وأي حرف لا يمد ، وعند أي حرف يمد ، ثم يعتني بعد ذلك بأمرين : أحدهما : تقويم الحروف على أشكالها الموضوعة لها ، فيعطي كل حرف حقه ، ليصير الخط مبينا . وثانيهما : ضبط ما اشتبه بالنقط والشكل المميز لها . ثم ما زاد على هذين الشيئين من تحسين الخط وملاحة نظمه ، فإنما هو زيادة حذق بصنعته وليس شرطا في صحته . قال بعض شعراء البصرة : اعذر أخاك على رداءة خطه * واغفر نزالته « 2 » بجودة ضبطه واعلم بان الخط ليس يراد من * تركيبه الا تبيّن سمطه فإذا أبان عن المعاني لم يكن * تحسينه الا زيادة شرطه فما زاد على الخط المفهوم من تحسين الصورة كالزايد على الكلام المفهوم من فصاحة الالفاظ وصحة الاعراب . ولهذا قالت الاعراب : حسن الخط أحد الفصاحتين فكما لا يقدر من أراد

--> ( 1 ) سورة البقرة : 2 / 269 . ( 2 ) النزالة : الانحراف وهو في الأصل سيلان الأرض من أدنى مطر لصلابتها